يبحث كتاب «ديمومة القضية الفلسطينية» لمؤلفه جوزيف مسعد موضوع ارتباط «المسألة الفلسطينية» بـ «المسألة اليهودية» من خلال تقديم دراسات تحليلية وتاريخية للحركة الصهيونية وأيديولوجيتها في سياقها الأوروبي الأيديولوجي في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وفي سياقها العربي والفلسطيني في القرن العشرين. ويعتبر المؤلف أن الصهيونية، كحركة، لم تسع إلى استنبات اليهود في أرض جديدة، ولا لنقلهم إلى عصر جديد من التاريخ، عن طريق تأسيس دولةٍ لهم فحسب. وإنما سعت كذلك لأن توفر ليهود أوروبا مجالاً كاملاً من الأنشطة الاقتصادية المادية التي حُرموا منها في أوروبا، خاصة في الحقل الزراعي. وعليه، فإن الحركة الصهيونية لم تهدف إلى استنبات اليهود الأوروبيين في منطقة جغرافية جديدة فقط، وإنما سعت إلى تحويل الطبيعة الفعلية للمجتمع اليهودي الأوروبي وهويته كما كانت قائمة حتى ذلك الوقت في الشتات. ولقد كان جسد اليهودي الأوروبي هو الموضوع المركزي لهذا التحول.
وكانت إعادة تسمية فلسطين بإسرائيل جزءاً من إعادة التنظيم المكاني للشعب الذي سوف يسكنها، حتى أن لفظة «إسرائيل» كانت تدل في مرحلة ما قبل الصهيونية على الشعب اليهودي، وليس على دولةٍ (بناي يسرائيل أو أبناء إسرائيل، فإسرائيل هو الاسم الذي منح ليعقوب بعد أن صارع ملاك الربّ، وبهذا فالمعنى الحرفي لإسرائيل هو المتصارع مع الله) فقد كانت إسرائيل هي الكيفية التي خاطب رب اليهود شعبه بها، لذلك فإن الهدف الصهيوني من دمج أو طيّ الشعب اليهودي في الدولة اليهودية هو محاولة لنفي وجود الشعب اليهودي خارج تخوم الزمان والمكان الصهيوني المسمى بالدولة اليهودية. بالإضافة إلى أن إعادة تسمية فلسطين بإسرائيل من قبل المستعمرين الاستيطانيين اليهود الأوروبيين، لم تكن لها قيمة رمزية فقط، بل شملت، وما تزال تشمل، مسحاً جغرافياً دقيقاً للبلد بأكمله، إذ أضحت الأركيولوجيا هي المبدأ الهادي لإسرائيل في تحويلها وتبديلها إلى فلسطين. وقد مضى الانبعاث المكاني لأرض العبرانيين القدامى جنباً إلى جنب مع تحويل التواريخ اليهودية والفلسطينية وإعادة كتابتها بحسب المأثور الصهيوني.
وكي تصبح فلسطين «أرضاً بلا شعب لشعب بلا أرض»، طرد الإسرائيليون معظم الفلسطينيين ليتسنى تحويل حلمهم إلى حقيقة. أما فيما يتعلق بتاريخ الفلسطينيين في فلسطين، فقد أخذت الصهيونية على عاتقها إعادة كتابته، وكانت المحصلة النهائية أن الحرب بين المستعمرين اليهود الأوروبيين والفلسطينيين المستعمرين قد امتدّت إلى عالم الخرائط والآثار، إذ تصوّر الخرائط الإسرائيلية كامل فلسطين التاريخية كإسرائيل، وتظهر الخرائط الفلسطينية كامل فلسطين التاريخية دولة تحت الاحتلال. ومن جهة علم الآثار، فإن الإسرائيليين المحتكرين لهذا العلم يجتهدون في بحث دؤوب ومكثف عن «دلائل» أركيولوجية «لمستوطنات» عبرانيّة ما قبل شتاتيّة في كافّة أرجاء فلسطين التاريخية، من أجل توفير مزيد من المصداقية على الادّعاءات اليهودية الأوروبية الخاصّة بالمكان والزمان الفلسطيني ـ الإسرائيلي، لدرجة جعلت أحد العلماء الإسرائيليين يصف علم الآثار بأنه «رياضة قومية» للإسرائيليين.
واستندت إقامة دولة إسرائيل من قبل اليهود الأوروبيين إلى إعادة تشكيل الهويات اليهودية. فقد أكد زعماء الصهاينة الأوروبيون على أن إقامة دولة لليهود الأوروبيين سوف تُطبّع الوضع الشاذ ليهود أوروبا، إذ سيكون لهم كالمسيحيين الأوروبيين دولة يدعونها دولتهم، ليتحولوا بذلك إلى أمة، لاسيما أن الصهيونية سوف توفر لليهود مجالاً واسعاً من الأنشطة الاقتصادية التي حرموا منها في أوروبا، كالمجالات الزراعية والعسكرية على وجه الخصوص، علاوة على الدفاع عنهم في وجه الهجمات اللاسامية. لم يكن هدف الحركة الصهيونية مجرّد استنبات اليهود الأوروبيين في منطقة جغرافية جديدة، وإنما كذلك تحويل هوية وطبيعة المجتمع اليهودي الجوهرية كما تواجدت في الشتات حتى ذلك الوقت ـ تحولاً سيتجاوز فكرة شعب إسرائيل (عام يسرائيل) ليصبح دولة إسرائيل (مدينات يسرائيل).
وتُمثّل الثقافة اليهودية التي نشدت الصهيونية إنشاءها في دولتها المقبلة، ثقافة لا تمت بصلة إلى ثقافة الشتات، باعتبار الأخيرة كانت تجلياً لليهودية المضطهدة، عوضاً عن كونها ثقافة حرة مستقلة، وسوف يشكل فكر التنوير الأوروبي نموذجاً إرشادياً للثقافة الجديدة. وقد افترضت الصهيونية أن اليهود الأوروبيين سوف يخلقون مجتمعاً أوروبياً من قبل أوروبيين صدف أن كانوا من اليهود. وقد اقتبس هذا البعد الاندماجي للآيديولوجيا الصهيونية عن فكر النهضة اليهودي، أو الهاسكالا التي تعود إلى القرن التاسع عشر.
يرى جوزف مسعد أن الصهيونية، بنسختيها اليهودية وغير اليهودية، كانت محتواة منذ فجر تاريخها داخل الفكر الكولونيالي، إذ أُشيعت الصهيونية غير اليهودية لأول مرة في إطار المشاريع الكولونيالية الأوروبية على يد نابليون بونابارت، خلال حملته الشهيرة على مصر. وقد دعم القادة الكولونياليون الرسميون الفرنسيون والإنجليز، مع أُفول القرن التاسع عشر وبدون تحفظ، فكرة الاستعمار اليهودي الأوروبي لفلسطين كجزء من نظام إمبراطوري دائم يُقاوم في المنطقة؛ بحيث أفضى التقاء مصالح أنصار الصهيونية من اليهود الأوروبيين المشتركين في المشروع الكولونيالي مع مؤيديها من الأغيار إلى تعاونهما.
المؤلف في سطور
د. جوزيف مسعد، أكاديمي وباحث، فلسطيني الأصل، يعيش في الولايات المتحدة الأميركية، ويعمل أستاذاً في «جامعة كولومبيا» في نيويورك، درس الهندسة في «جامعة نيو مكسيكو»، ثم تحوّل إلى العلوم السياسية، متخصصاً بشؤون أميركا اللاتينية. أصدر العديد من المؤلفات باللغة الإنجليزية، وترجم بعضها بنفسه إلى اللغة العربية. من مؤلفاته: «الآخرون الداخليون للصهيونية ـ إسرائيل واليهود الشرقيون، 1996»، و«عودة أم منفى دائم، 1999»، و«المستعمرة ما بعد الكولونيالية ـ الزمان والمكان والأجساد في فلسطين، 2000»، و«آثار الكولونيالية ـ صناعة الهوية الوطنية في الأردن، 2001»، و«اشتهاء العرب، 2007».