|
الكتب الالكترونية هي ملفات نصية تشبه في ترتيبها الكتب المطبوعة وانتشرت بواسطة الحواسيب والإنترنت وتساعدها في ذلك ملفات الوسائط المتعددة التي تشمل الصوت والصورة والفيديو.
تاريخ الإنسانية حافل بالمحطات والمفاصل الكبرى، لكن للكتابة والكتاب موقع خاص ضمن تلك القائمة الطويلة من التطورات الدراماتيكية التي شهدها ذلك التاريخ على مر العصور، فلقد مكنت الكتابة مخترعها الإنسان من تدوين معارفه وخبراته واستنساخها وتبادلها جيلا بعد آخر عبر مختلف الأزمان والجغرافيات في عملية معرفية تراكمية لا متناهية لا غنى عنها. الكتاب، حامل الكلمات وحافظها ووسيلة نقلها، مر بذاته وبدوره بالعديد من المحطات الرئيسية وذلك تبعا لمستويات التطور التقنية التي عرفها الإنسان في ميدان الكتابة على مر العصور، من البرديات إلى الكتاب الإلكتروني مرورا بالكتاب الورقي التقليدي طبعا.
بحيث يمكن القول إن حركة الارتقاء بالكتاب من حيث الشكل والمضمون في آن لم تعرف السكينة لحظة واحدة ولم تدرك الخمول على الإطلاق وظلت ولا تزال تعاند كل شكل جديد للكتاب مفسحة في المجال أمام ولادة شكل آخر جديد أكثر تطورا واستجابة لمتطلبات الإنسان والضرورات المتعلقة بسهولة تناقل المعارف بين المجتمعات مهما تنوعت ثقافاتها واختلفت لغاتها. لكن يبدو أن كتاب المستقبل سيعتمد وإلى حد كبير على المضامين الرقمية التي ستحل بشكل ثوري وليس تدريجي محل شكل الكتاب التقليدي المطبوع الذي ابتكره غوتنبرغ قبل 600 عام خلت تقريبا. وذلك حسب ناشرين ومكتبيين ومؤلفين اجتمعوا في نيويورك، مؤخرا، والأمل يحذوهم في إيجاد حل ينقذ قطاع الكتاب الورقي الذي يعيش أزمة طاحنة في يومنا هذا بعد أن بلغ السباق أشده مع أصناف الكتب الأخرى التي تزاحمه مكانة استمدها عن جدارة على مر مئات السنين، ويبدو أن البطولة في هذا السباق تذهب إلى الكتاب الإلكتروني والمكتبة الرقمية وإلى ذلك الجيل الجديد من الأجهزة السمعية البصرية التي تتيح للمهتمين بالشأن المعرفي إشباع توقهم إلى المعرفة والمزيد منها عن طريق الإصغاء أو استدعاء صفحات الكتاب إلكترونيا على شاشة خفيفة محمولة مثل شاشة «كندل1» و«كندل2». وهما من إنتاج شركة «أمازون» المتخصصة في بيع الكتب التقليدية أصلا، وقارئ «سوني» و«كتب غوغل»، الأمر الذي يضع صناعة النشر التقليدية برمتها في مهب الريح ويثير حفيظة الكثير من الكتاب والوكلاء الأدبيين ودور النشر حول العالم.
بذلك يكون الكتاب الإلكتروني قد دخل حلبة السباق بقوة وهذا يعني أن معارك عدة تقف بالمرصاد أمام عالم النشر وخاصة بعد ظهور«كندل2»، قارئ الكتب المتفوق تقنيا والقادر على تحميل أعداد فلكية من صفحات الكتب في بادرة لا يتحدى «أمازون» من خلالها «غوغل» فحسب وإنما كبريات دور النشر التقليدية أيضا. وعلى الرغم من أن سعر هذا الجهاز صغير الحجم لا يزال مرتفعا نسبيا حتى يصبح شعبيا(359 يورو)، إلا أنه بدأ يثير اهتمام العديد من كبار الكتاب حول العالم على غرار ستيفن كنغ وجون كريشمان وباولو كويلو والكثير غيرهم. ولقد أصبح بإمكان قراء كندل أن يشتروا مقابل حوالي 4 دولارات فقط قصة كنغ التي تحمل عنوان «يو آر»، والتي كتبها لهم بشكل حصري.
وإذا أضيف هذا الوضع إلى ارتفاع مبيعات الكتب الإلكترونية في الولايات المتحدة، حيث تشي ألأرقام بأنه في النصف الثاني من عام 2008 تم بيع كتب إلكترونية أكثر مما بيع منها طيلة عام 2007، فإنه يتبين لنا أننا نقف أمام لحظة مفصلية أو انعطافة تاريخية في حياة البشرية تفيد بأن أحفادنا قد لا يتمكنون من قراءة الكتب الورقية قط، في حين تصبح المكتبات مجرد مخلفات من الماضي في غضون 20 عاما. على الرغم من أن حجم مبيعات الكتب الإلكترونية الذي يفوق 17 مليون دولار لا يقارن بحجم مبيعات صناعة النشر في الولايات المتحدة الذي يقدر بنحو 40 مليون دولار، إلا أن تنامي هذا القطاع يأخذ وتيرة متسارعة و«أمازون» هو العملاق الجديد الذي ينظر إليه الجميع بنوع من الغيرة، ذلك أن نسبة زيادة مبيعاته من الكتب عبر الانترنت بلغت 23% خلال الشهور الستة الأولى من عام 2008، وذلك يفوق بكثير نسبة الزيادة في مبيعات المكتبات التقليدية التي بلغت 3% فقط، حسب ما يكشف النقاب عنه تقرير«جيم ميليوت» الذي تم تقديمه في الدورة الأخيرة من معرض فرانكفورت للكتاب.
مع ظهور كندل وال230 ألف عنوان المتاحة للقراءة على شاشة هذا الجهاز الصغير، فإن موقع أمازون أصبح يتربع على قمة هرم سوق الكتب الإلكترونية ودور النشر باتت تخشى المنافسة مع أكبر مكتبة على الانترنت، خاصة وأنها أخذت تشق طريقها إلى ميدان الطباعة ولم يعد دورها يقتصر على عملية التسويق والتوزيع فحسب. ويرى ميليوت أن موقع أمازون سيتمكن حتى قبل حلول عام 2012 من توقيع عقود بصورة مباشرة مع المؤلفين، لا بل إنه سيتمكن كذلك من شراء دار نشر بكاملها مثلما فعل مع الشركة المنتجة للكتب السمعية. كما أن دور النشر تقوم من جانبها بتحويل كتبها إلى كتب رقمية بغية بيع مضامينها بشكل مباشر لمستخدميها.
الحصة الأكبر من ظاهرة تنامي الكتاب الإلكتروني تذهب إلى الكتاب الأكاديمي بطبعته الإلكترونية، لا سيما وأن هذا النوع من الكتب يجلب أرباحا مهمة لدور النشر الأميركية المتخصصة، وهذه هي المنطقة التي يسجل فيها أعلى وتائر التقدم في أميركا اللاتينية كذلك وشتى بلدان العالم ما عدا البلدان العربية، التي يبدو أن صناعة النشر فيها لا تزال تئن تحت وطأة مشكلة انحسار القراءة إلى درجة دفعت بعض الدارسين إلى إطلاق صفة الأمة الأمية على سكان هذه المنطقة من العالم، حيث لا تتجاوز نسخ أفضل الإصدارات الورقية الحديثة أكثر من بضعة آلاف في أحسن الأحوال، بينما لا تتجاوز بضع مئات في الأحوال العادية.
قد لا يختلف اثنان على أن اللغة العربية تواجه تحديات كبيرة ليس على مستوى قدرتها على مواكبة آليات عمل مفرزات ثورة الاتصالات فحسب، وإنما على صعيد استخداماتها كمرجعية أو أداة حاملة لعلوم العصر، الأمر الذي حرف مسار هذا المبحث برمته، ذلك أن العزم كان معقودا في البدء على معالجة الظروف التي أحاطت عملية ظهور الكتاب وتاريخ تطوره والمحطات الرئيسية التي مر بها خلال مسيرته الممتدة على مر القرون والمرتبطة في المقام الأول بصيرورة تطور الكتابة ذاتها والتقنيات المستخدمة فيه.
إلا أن مجموعة لا يستهان بها من التحديات التي تواجه الواقع الثقافي والتربوي والتعليمي في الوطن العربي مجسدة أولا في الإحجام عن القراءة من قبل جمهور واسع النطاق حالت دون تناول موضوع الكتاب بالطريقة التقليدية السلسة التي تلقي الضوء على منافع وجماليات هذا الاكتشاف الإنساني العظيم وأحالتنا بالضرورة إلى التوقف مجددا وطويلا أمام أزمة القراءة ذاتها عوضا عن الغوص في ميدان صناعة النشر والأشكال الحديثة التي تبتكرها ألأمم تسهيلا لعملية تناسخ وتناقل معارفها التي ترفد مسيرات تطور المجتمعات. ولا غرابة في ذلك، فلطالما غيرت أزمة القراءة في الوطن العربي مسار توجهات العديد من المحافل الثقافية والعلمية ووقفت حائلا أمام الكثير من النقاشات التي تسعى إلى فهم الأسباب الكامنة وراء هذا التفاوت الكبير بين مستويات التطور المتقدمة جدا في البلدان الصناعية وبين نظيراتها المتخلفة في البلدان العربية. حيث تنصب كافة الاهتمامات على معالجة أزمة القراءة ذاتها والتحديات الكبرى التي تواجه انتشار الكتاب العربي عموما بغض النظر سواء عن شكله أو عما إذا كان هذا الكتاب ورقيا أم إلكترونيا، في مشهد يبدو فيه العرب لا يملكون ترف المشاركة في النقاش الدائر حول شكل الكتاب في ظل بعدهم عن مضمونه أصلا. 
الطامة الكبرى التي نعاني منها في مجتمع الضاد لا تكمن في أن الأجيال العربية الصاعدة تفتقر إلى معرفة آخر «الصرعات» التقنية التي توصلت إليها المجتمعات الصناعية المتطورة في ميدان الاتصالات أو أنها غير قادرة على التعامل مع عدد كبير من منتجاتها، بل إنها تتعلق بمسألة الاختيارات والتوجهات في عملية غالبا ما يتم فيها تنحية كل ما هو مفيد ومجدٍ معرفيا بينما يتم التركيز فيها على تلك المبتكرات العلمية والتكنولوجية المرتبطة بموضوع التسلية واللهو وإضاعة الوقت لا أكثر ولا أقل.
إذا كانت قضية صناعة النشر في الغرب تتعلق بأجيال متعاقبة من أشكال الكتب التي تعكس مراحل تطور هذا الوسيلة الناجعة في تناقل المعارف والثقافات، فإن القضية في الوطن العربي الكبير ترتقي إلى حد الحديث عن معضلة حقيقية ذات طابع مزدوج، فمن جهة هناك فقر وأزمة كبيران في ميدان تعاطي القراءة والإقبال عليها في الوقت الذي تبقى فيه عملية تعاقب الأجيال الكتابية المتطورة مجهولة من قبل قطاعات واسعة من الجمهور العربي القارئ وغير القارئ في آن طبعا.
وإذا كانت لغة الضاد تواجه أصلا مشكلة كبرى في ميدان اختراق حيز النشر الإلكتروني وآليات البحث والترجمة الالكترونيين بفعل تمايز حرفها وبعده المطلق عن الحرف اللاتيني شائع الاستخدام على شبكة الانترنت، فإن الجهل بالأجيال الكتابية الحديثة أو الأشكال والوسائل الحديثة لعرض الكتب ومضامينها من شأنه أن يفاقم المشكلة ويجعلها عويصة ويبقي أجيالا تحلق في أجواء الجهل وقلة المعرفة وأن يرمي بظلال قاتمة على تطور المجتمع بأسره.
القارئ الالكتروني
طرحت شركة «أمازون»، مؤخرا، منتجا جديدا من اختراعها أطلقت عليه «كندل »1 و«كندل 2» وهو جهاز قارئ إلكتروني مكون من شاشة رمادية بحجم ورقة التصوير، تعرض صفحات الكتب الإلكترونية، ويقبع إلى يمينها وأسفلها بضعة صفوف من الحروف، فيما يبدو أنه الشكل الجديد الذي ستتخذه الكتب في المستقبل. وهو يعرض صور صفحات أي كتاب تشتريه، لتقرأها، وبعدما تنتهي، ربما ضغطت زرا آخر لتعود إلى الفهرس، أو كتبت ملحوظة ما عند فقرة أعجبتك، أو ربما ظللتها بلون غامق، وإذا وجدت كلمة انجليزية غير مفهومة جعلت المؤشر يقف عليها ليعرض لك الجهاز الشرح الوفير لمعنى هذه الكلمة.
كندل في المقدمة
شهد يوم 6 مايو الماضي مؤتمرا صحفيا كان بطله الشهير جيف بيزوس مؤسس موقع متجر أمازون، حيث عرض على الحضور بعض المؤشرات والأرقام التسويقية، التي بينت أن نسبة المبيعات الإلكترونية إلى الورقية من أي كتاب في المتجر المذكور قفزت من 14% إلى 35%، أي أنه لو بيع 100 نسخة من كتاب ما، لكان 65 نسخة منها مطبوعة، و35 نسخة منها إلكترونية، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه النسبة تبدو إلى ازدياد سريع، خاصة مع تعاقب طرح نسخ جديدة من كندل وغيره من الأجهزة القارئة في الأسواق. |